رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
بنوك خارجية

«كومرتس بنك» الألماني يحشد مساهميه في مواجهة مساعي الاستحواذ الإيطالية من «يونيكريديت»

الأحد 24/مايو/2026 - 03:35 م
بانكير

سعى مصرف «كومرتس بنك» الألماني خلال هذا الأسبوع إلى جمع وتعبئة مساهميه من أجل تقديم جبهة دعم قوية تضمن الحفاظ على استقلالية المؤسسة، وذلك في ظل المساعي الحثيثة والمحاولات المستمرة للاستحواذ عليه من قِبل بنك «يونيكريديت» الإيطالي. 

ويأتي هذا التحرك المتزامن مع انعقاد ما قد يُوصف بأنه الاجتماع السنوي الأخير للمصرف الألماني البالغ من العمر 156 عاماً بصفته كياناً مستقلاً غير تابع لأطراف خارجية. واحتشد مئات من صغار المستثمرين والموظفين الذين تميزوا بارتداء قمصان ذات لون أصفر زاهٍ، إلى جانب مديري الصناديق الاستثمارية، داخل قاعة المؤتمرات الواقعة في مدينة فيسبادن يوم الأربعاء الماضي، ولم يكن الهدف من هذا التجمع مقصوراً على الاحتفاء بالصعود القياسي لأوراق البنك المالية، بل امتد ليشكل وقفة دفاعية عن مؤسسة طالما اعتبرها الخبراء رمزاً لملفات الإحباط والأزمات المزمنة التي مر بها القطاع المصرفي في ألمانيا وفقاً لما أوردته صحيفة فاينانشال تايمز.

وسيطرت ملامح التحدي والإصرار على أجواء الجمعية العمومية، لا سيما وأن أسهم «كومرتس بنك» تُتداول حالياً عند أعلى مستوياتها المسجلة خلال 15 عاماً، مدفوعة بزيادة قوية بلغت قيمتها نحو 40% على مدار العام المنصرم، وهي وتيرة نمو مكنتها من التفوق بشكل واضح على مؤشر «ستوكس يوروب 600» لقطاع البنوك الأوروبية، لتسجل بذلك تحولاً تاريخياً إيجابياً لأسهم المصرف التي اقترنت لسنوات طويلة بمعدلات الأداء الضعيفة والركود المزمن. 

وشهد هذا الاجتماع السنوي حضور نحو ألف مساهم، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بنحو 740 مساهماً في العام الفائت، لتمثل النسبة الحاضرة ما يقارب 42% من إجمالي رأس مال الكيان المصرفي. ونالت الرئيسة التنفيذية للبنك، بيتينا أورلوب، تشجيعاً حاراً وتصفيقاً من الحاضرين أثناء استعراضها للملامح الرئيسية للاستراتيجية المستقبلية للمصرف، والتي تضمنت وعوداً واضحة بإعادة ما يقرب من نصف القيمة السوقية الحالية لـ «كومرتس بنك» إلى جموع المساهمين بحلول عام 2030.

وعلى الرغم من هذه الأجواء الاحتفالية، إلا أن مجريات الجمعية العمومية دارت تحت وطأة النفوذ المتزايد لـ «يونيكريديت»، الذي يتربع على رأس قائمة كبار المساهمين في البنك الألماني بفارق شاسع عن بقية الأطراف، ممتلكاً حصة تصويتية تمنحه القدرة الفعلية على توجيه وحسم أغلبية الأصوات داخل الاجتماعات الأساسية. واختار المصرف الإيطالي الغياب عن الحضور في هذا الاجتماع بعدما قام في وقت سابق بطرح عرض استحواذ عدائي في الأسواق بلغت قيمته المالية نحو 39 مليار يورو. وفي هذا السياق، انتقد أندرياس توماي، ممثل شركة ديكا للاستثمار، الأسلوب الذي ينتهجه البنك الإيطالي في مساعيه للسيطرة، مشبهاً تحركاته وأسلوبه الاستثماري بـ «دخول فيل إلى متجر لبيع الخزف».
ويمتلك «كومرتس بنك» تاريخاً وإرثاً ثقيلاً في القارة الأوروبية، حيث تأسس في مدينة هامبورغ عام 1870 بهدف رئيسي يركز على تمويل عمليات التجارة الخارجية الألمانية، ليتوسع لاحقاً ويصبح واحداً من أركان القطاع المصرفي في البلاد. ومع ذلك، فإن قراره بالاستحواذ على بنك «دريسدنر» إبان ذروة الأزمة المالية العالمية في عام 2008 خلف تداعيات قاسية، إذ تسبب في إثقال كاهله بمليارات الدولارات الناتجة عن أصول الاستثمار المصرفي السامة والرديئة، الأمر الذي دفع الحكومة الاتحادية في برلين للتدخل المباشر وتقديم حزمة إنقاذ مالية ضخمة بلغت قيمتها 18.2 مليار يورو، وما تزال الدولة الألمانية تحتفظ حتى الآن بصفة ثاني أكبر مساهم في البنك بحصة تصل إلى 12%. 

وأسفرت جولات إعادة الهيكلة المتعاقبة، وعمليات زيادة رأس المال، بالتوازي مع ضعف مستويات الربحية لسنوات طويلة، عن تحويل أسهم البنك إلى واحدة من أقل الأوراق المالية جاذبية ورواجاً في أوروبا، قبل أن تتبدل الأوضاع بصورة مفاجئة ويستعيد المصرف بريقه وقيمته السوقية.
وظهر التكاتف بين طاقم العمل والمستثمرين واضحاً خلال الفعاليات، إذ عبر ماركوس فرايالدنهوفن، أحد ممثلي الموظفين القادمين من مدينة دوسلدورف، والذي ارتدي قميصاً حمل شعار «نحن نملك الأصفر» في إشارة للون البنك الرسمي، عن هذا التوجه قائلاً إن صعود السهم لا يقتصر النفع منه على تعزيز المحافظ المالية الشخصية فحسب، بل يمثل أداة قوية تساعد العاملين والملاك على التمسك باستقلالية الكيان.

 وبدا الفخر على فرايالدنهوفن وهو يستعرض نتائج محفظته عبر هاتفه المحمول، والتي سجلت نمواً بنسبة 44% على الأسهم التي قام بشرائها بماله الخاص، وزيادة بنسبة 12% على الحصص التي تحصل عليها عبر البرامج المخصصة لمشاركة الموظفين في الملكية. 

واختار الموظفون الذين تحولوا إلى مساهمين الجلوس أمام منصة التحدث مصطفين على هيئة شكل قلب، مرتدين قبعاتهم وصفوفهم الصفراء لتوجيه التحية والهتاف للرئيسة التنفيذية بيتينا أورلوب، على الرغم من أن إجمالي حصتهم المجتمعة لا يتجاوز 1% من أسهم المؤسسة، ورغم قيام الإدارة مؤخراً بالإعلان عن توجهها لتنفيذ جولة جديدة من تقليص العمالة تشمل تسريح 3 آلاف موظف، كما حرص المستثمرون الأفراد الذين تكبدوا خسائر مادية على مدار الأعوام السابقة على إظهار الدعم التام لقرارات الإدارة الحالية.


ووصف راينر غروب، وهو أحد المساهمين البالغ من العمر 77 عاماً، خطوة قيام الحكومة الألمانية ببيع جزء من أسهمها لصالح «يونيكريديت» في شهر سبتمبر من عام 2024 بأنها شكلت «خطأً فادحاً»، لكونها مثلت الشرارة الأولى التي سمحت للجانب الإيطالي ببناء وتوسيع حصته داخل البنك، مؤكداً أن هذه الجمعية العمومية تعد الحدث الحاسم والفاصل لتحديد مصير استقلال «كومرتس بنك». وفي المقابل، بدت نبرة الاستسلام واضحة لدى أطراف أخرى، حيث علقت بيتينا بيتزولد، وهي مستثمرة من مدينة فيسبادن قامت بشراء حصة أسهم قبيل إفصاح الطرف الإيطالي عن حجم ملكيته، قائلة إن المصرف الألماني لا يملك أي فرص حقيقية للنجاة وأنه سيتم ابتلاعه في نهاية المطاف.
وتستمر معركة الاستحواذ في فرض ظلالها وتفاصيلها، إذ تضمن العرض المقدم من «يونيكريديت» مبادلة كل سهم من أسهم «كومرتس بنك» بنحو 0.485 سهم من أسهمه الخاصة، وهو ما قيم المصرف الألماني المستهدف بنحو 38.6 مليار يورو بالتزامن مع يوم انعقاد الجمعية، وهو رقم يقل عن القيمة السوقية الفعلية لـ «كومرتس بنك» في السوق والتي بلغت في ذات التوقيت حوالي 40.9 مليار يورو. ووجّه ينس فايدمان، رئيس مجلس الإدارة، نداءً عاجلاً للمستثمرين يطالبهم فيه بعدم الاستجابة للعرض الإيطالي أو تقديم أسهمهم فيه، في حين أطلقت أورلوب تحذيرات جادة من أن نجاح هذه الصفقة قد يترتب عليه إجراء عمليات تخفيض حادة، وحملات تسريح جماعية للموظفين، فضلاً عن الاضطرار للتراجع والإغلاق لقطاعات وأنشطة أعمال كاملة بالبنك.
ولم يفلح العرض الإيطالي في جذب سوى نسبة ضئيلة للغاية بلغت 0.02% من أسهم الكيان الألماني قبيل بدء الاجتماع، لكن ممثلي الهيئات الاستثمارية شددوا على أن الاكتفاء بالمقاومة اللفظية لن يكون كافياً لحسم المعركة.

 ويرى قطاع واسع من المراقبين أن هذه المرحلة الحالية لا تتعدى كونها حرباً صورية ومناورات أولية، تسبق إطلاق المصرف الإيطالي لهجوم ومحاولة استحواذ جادة وشاملة في المستقبل القريب. 

وحذر هندريك شميدت، الخبير لدى شركة إدارة الأصول «DWS»، من مغبة الإفراط في التفاؤل بظهور مستثمر آخر يرتدي ثوب «المنقذ» ليقف كحائط صد أمام المساعي الإيطالية، واصفاً هذا التصور بالغير واقعي، ومؤكداً أن مصرف «يونيكريديت» لن يتراجع عن هدفه لكونه يمتلك الموارد المالية الكافية والوقت اللازم لانتظار اللحظة المناسبة.

ومن جانبه، أفاد كلاوس نيدينغ، ممثل جمعية المساهمين «DSW»، بأنه بمجرد تخطي عتبة الـ 30%، فإن أبواب الاستحواذ تصبح مشرعة على مصراعيها ولا يمكن إغلاقها بسهولة. وطالب نيدينغ الرئيس التنفيذي لبنك «يونيكريديت»، أندريا أورسيل، بضرورة التخلي عن استخدام «أساليب التسلل والمناورات المضللة»، والدخول عوضاً عن ذلك في مفاوضات ومباحثات مباشرة تتمحور حول إمكانية إتمام عملية «اندماج متكافئ وحقيقي» بين الطرفين، علماً بأن القيمة السوقية الإجمالية لمصرف «يونيكريديت» تصل إلى نحو 108 مليارات يورو. 

وكانت الفترة الماضية من هذا العام قد شهدت بالفعل إجراء محادثات أولية جمعت بين أورلوب وأورسيل في أعقاب كشف الطرف الإيطالي عن تطلعاته، غير أن هذه اللقاءات لم تسفر عن التوصل إلى أي صيغة اتفاق مشترك. 

وفي خضم هذه المواقف، يبدو أن خيار رفض الصفقة ليس محل إجماع كلي من كافة المستثمرين، حيث علق أحد صغار المساهمين بأسلوب ساخر قائلاً إنه سيكون سعيداً وموافقاً على البيع في حال وصول السعر إلى 70 يورو للسهم، وهو ما يعادل تقريباً ضعف القيمة السعرية الحالية التي تتداول بها أسهم «كومرتس بنك» في البورصة.