بين «عدم التسليم» و«سند الملكية».. أزمة ثقة تهز السوق العقاري
في وقت يشهد فيه السوق العقاري المصري طفرة توسعية غير مسبوقة، لم يعد التحدي مقتصرًا على حركة البيع والطلب، بل امتد ليصبح مرتبطًا بشكل مباشر بضمان الحقوق، سواء فيما يتعلق بملكية الوحدات أو التزام المطورين بمواعيد التنفيذ والتسليم.
ورغم تحركات الدولة لتطوير منظومة الحماية، وعلى رأسها تفعيل وثيقة تأمين سند الملكية العقارية، لا تزال منظومة التأمين العقاري غير مكتملة، في ظل غياب وثيقة “عدم التسليم” رغم النص عليها تنظيميًا، ما يترك فجوة واضحة في حماية المشترين.
ويتزامن هذا الوضع مع تصاعد الجدل حول ما يُعرف بـ“الفقاعة العقارية” في السوق المصري، والتي يُقصد بها الارتفاع السريع في أسعار العقارات بما يتجاوز قيمتها الحقيقية، وهو ما يثير مخاوف من تضخم غير مبرر في الأسعار. وفي هذا السياق، تتزايد شكاوى المواطنين من تأخر تسليم الوحدات أو فرض زيادات سعرية لاحقة تحت مسمى “فروق الأسعار”، مع تهديدات بإلغاء التعاقدات، ما يدفع المتضررين للجوء إلى القضاء كخيار أخير.
وبحسب ما تنص عليه لائحة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، يُلزم المستثمر العقاري بإصدار وثيقة تأمين ضد مخاطر عدم التسليم في المواعيد المحددة أو تسليم وحدات بجودة أقل من المتفق عليها، وهي آلية سبق أن أشار إليها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي خلال توليه حقيبة الإسكان، بهدف تحقيق توازن العلاقة بين المطور والمستهلك.
غير أن هذه الوثيقة لم تدخل حيز التطبيق الفعلي حتى الآن، في ظل غياب إلزام قانوني واضح على شركات التطوير العقاري، على عكس وثيقة “التأمين العشري” التي تُعد شرطًا أساسيًا للحصول على تراخيص البناء.
ويرى خبراء التأمين أن تفعيل وثيقة عدم التسليم من شأنه إعادة ضبط السوق العقاري، والحد من النزاعات المتكررة حول التأخير، من خلال منح العميل حق التعويض سواء بقيمة الوحدة أو بتوفير سكن بديل أو بدل إيجار لحين التسليم، وفق ضوابط تحدد لكل مشروع. ويؤكدون أن تطبيقها لن يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع الأسعار إذا جرى تنسيقها بشكل صحيح مع شركات التأمين.
في المقابل، يؤكد مختصون في قطاع التأمين أن السوق المصري يمتلك القدرة الفنية لتطبيق هذه الوثيقة، باعتبارها مطبقة في العديد من الأسواق العالمية، مع اختلاف قيمتها التأمينية وفقًا لخبرة المطور وسجله المالي ومصادر تمويله.
وفي خطوة تنظيمية مهمة، أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية عن إطلاق وثيقة “تأمين سند الملكية العقارية”، التي تمثل تطورًا نوعيًا في حماية المشترين، عبر تغطية مخاطر تتعلق بصحة الملكية أو ظهور نزاعات قانونية غير معلومة وقت الشراء.
وتشمل الوثيقة تعويضات عن حالات التزوير أو التدليس أو عدم الأهلية، أو أي عيوب في سند الملكية، إلى جانب تغطية الحالات التي يتعذر فيها تسجيل العقار، أو وجود التزامات مالية أو حجوزات سابقة غير معلنة. كما تتضمن التزام شركة التأمين بالدفاع القانوني عن المؤمن له، وسداد التعويضات خلال 30 يومًا من استكمال المستندات.
وفي الوقت ذاته، تستثني الوثيقة بعض المخاطر مثل مخالفات البناء أو نزع الملكية أو الكوارث والحروب، مع اشتراط الإفصاح الكامل عن البيانات، وإمكانية إلغاء التغطية حال ثبوت إخفاء معلومات جوهرية.
كما تتيح الوثيقة ملحقًا خاصًا لتغطية العقارات غير المسجلة، بشرط تقديم مستندات قانونية تثبت مصدر الملكية، مثل الميراث أو الأحكام القضائية أو قرارات التخصيص، بما يوسع نطاق الحماية ليشمل جزءًا كبيرًا من طبيعة السوق العقاري المصري.
وبين واقع تطور أدوات الحماية التنظيمية، وبطء تطبيق بعض الآليات، يظل السوق العقاري أمام مرحلة انتقالية حساسة، تتطلب مزيدًا من الضبط التشريعي لضمان توازن العلاقة بين المطور والمشتري، وتعزيز الثقة في واحد من أهم قطاعات الاقتصاد المصري.






