من الربح السريع إلى التخارج.. ماذا يحدث في السوق العقارية المصرية؟
لم يعد التخارج المبكر من الوحدات العقارية مجرد قرار فردي يلجأ إليه بعض المشترين للتخلص من التزامات مالية يصعب استكمالها، بل تحول إلى ظاهرة تستحق المتابعة مع ظهور منصات متخصصة في إعادة بيع العقود ونقل التعاقدات قبل استلام الوحدات.
ويفتح هذا التطور بابًا جديدًا لقراءة أداء السوق العقارية المصرية، لا من زاوية حجم المبيعات فقط، وإنما من خلال قدرة العملاء على الاحتفاظ بالوحدات واستكمال الأقساط، ومدى وجود طلب حقيقي ومستدام على العقارات.
ويرى متعاملون في القطاع أن تنامي منصات التخارج لا يعني بالضرورة تراجع الطلب العقاري أو دخول السوق في أزمة، لكنه يكشف في المقابل عن شريحة من المشترين دخلت السوق خلال السنوات الماضية بهدف تحقيق مكاسب سريعة، قبل أن تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع قيمة الوحدات وطول فترات السداد.
فوزي: التخارج يعكس ضغوطًا مالية لدى بعض العملاء
قال فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، إن ظهور منصات التخارج من الوحدات العقارية يعكس اتجاه بعض العملاء إلى البحث عن مخرج لإدارة التزاماتهم المالية، في ظل تراجع القدرة الشرائية لدى بعض الشرائح، لكنه لا يمثل حتى الآن تأثيرًا مؤثرًا على حركة السوق العقارية ككل.
وأوضح أن العميل الراغب في التخارج من وحدته يسعى غالبًا إلى استرداد الأموال التي سددها خلال السنوات الماضية، بدلًا من اللجوء إلى فسخ التعاقد وتحمل الخصومات التي قد يفرضها المطور في بعض الحالات.
وأشار إلى أن إعادة بيع الوحدة بالقيمة نفسها التي دفعها العميل لا تعني بالضرورة تحقيق مكسب، إذ قد تمثل خسارة فعلية عند احتساب تغير قيمة الأموال بمرور الوقت.
خروج المضاربين من السوق
وأضاف فوزي أن السوق العقارية قد تشهد خلال الفترة المقبلة مزيدًا من حالات التخارج، خاصة بين العملاء الذين دخلوا السوق خلال عامي 2023 و2024 بهدف المضاربة وتحقيق مكاسب سريعة.
وأكد أن الاستثمار العقاري بطبيعته طويل الأجل، ولا يمثل أداة مناسبة للمضاربة قصيرة الأجل، مشيرًا إلى أن بعض القرارات الاستثمارية اتخذت على أساس توقعات بإمكانية إعادة بيع الوحدة قبل الاستلام وتحقيق أرباح سريعة.
وضرب مثالًا على ذلك بشراء وحدة بقيمة 10 ملايين جنيه مع امتلاك العميل مليون جنيه فقط كمقدم، ثم الاعتماد على الأقساط والتخطيط لإعادة بيع الوحدة قبل الاستلام، معتبرًا أن هذا النموذج لا يتناسب مع الاستثمار العقاري طويل الأجل.
وشدد على ضرورة أن تتناسب قرارات شراء العقارات مع القدرة المالية الحقيقية للمشتري، وأن يمتلك المستثمر القدرة على الاحتفاظ بالوحدة لفترة كافية واستكمال التزاماته، بدلًا من الاعتماد على ارتفاع الأسعار خلال فترة التنفيذ.
هل تتحول منصات التخارج إلى سوق ثانوية منظمة؟
ويرى فوزي أن تنامي منصات التخارج قد يسهم مع الوقت في خلق سوق ثانوية أكثر تنظيمًا للتعامل مع العقود والوحدات القائمة.
وأوضح أن وجود هذه المنصات لا يعني تحول السوق العقارية إلى سوق للتخارج، وإنما يعكس تغيرًا في سلوك شريحة من العملاء تحت ضغط الالتزامات المالية والقدرة الشرائية.
وتكتسب هذه السوق أهمية متزايدة مع اتجاه بعض المنصات إلى ربط ملاك الوحدات الراغبين في التخارج بمشترين جدد، بما يسمح بنقل التعاقد بدلًا من فسخه، وهو نموذج بدأ يظهر بصورة أكثر وضوحًا في السوق المصرية.
أحمد أهاب: المعروض محدود مقارنة بحجم السوق
من جانبه، قال أحمد أهاب، الرئيس التنفيذي لشركة مدار للتطوير العقاري، إن الوحدات المعروضة عبر منصات التخارج لا تمثل حجمًا مؤثرًا مقارنة بإجمالي المبيعات العقارية في السوق المصرية.
وأوضح أن إجمالي المبيعات العقارية في مصر يتجاوز تريليون جنيه سنويًا، وبالتالي فإن حجم الوحدات المعروضة عبر منصات التخارج يظل محدودًا عند مقارنته بالحجم الإجمالي للسوق.
وأضاف أن حالات التخارج المبكر ترجع بصورة رئيسية إلى عدم امتلاك بعض المشترين القدرة الشرائية الكافية، إلى جانب عدم إدراك طبيعة الاستثمار العقاري باعتباره استثمارًا طويل الأجل.
لماذا يبحث المشترون عن التخارج قبل الاستلام؟
وأشار أهاب إلى أن ما جذب الانتباه إلى منصات التخارج هو عرض الوحدات بالسعر الأصلي الذي دفعه العميل، دون إضافة «أوفر برايس»، في وقت اعتادت فيه السوق الثانوية خلال السنوات الماضية على إعادة بيع الوحدات بعد فترة من التعاقد، مع تحقيق مكاسب سعرية.
وأوضح أن تحقيق العائد الأكبر من الاستثمار العقاري يأتي عادة بعد استلام الوحدة، وليس بعد فترة قصيرة من التعاقد، لافتًا إلى أن العميل الذي يشتري وحدة ثم يسعى إلى إعادة بيعها بعد سداد قسط أو قسطين أو ثلاثة لا يمثل النموذج التقليدي للمستثمر العقاري طويل الأجل.
وأضاف أن المستثمر الجاد يكون مدركًا منذ البداية أن الاحتفاظ بالوحدة لعدة سنوات واستكمال الالتزامات المالية ثم إعادة البيع هو النموذج الأكثر ملاءمة لتحقيق عائد من الاستثمار العقاري.
التخارج لا يعني بالضرورة أزمة في السوق
وأكد أهاب أن حالات الخروج المبكر لا تعكس بالضرورة خللًا في السوق العقارية، بقدر ما تكشف عن قرارات شراء اتخذها بعض العملاء دون امتلاك القدرة المالية الكافية أو دون إدراك كامل لطبيعة الاستثمار العقاري والتزاماته.
وتتفق هذه القراءة مع ظهور بيانات حديثة لمنصات متخصصة في التخارج، إذ أعلنت إحدى المنصات عن تلقي عروض للتنازل عن آلاف الوحدات خلال فترة قصيرة، وهو ما أعاد النقاش حول قدرة المشترين على تحمل التزاماتهم، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه السوق الثانوية في إعادة توزيع ملكية الوحدات.
لكن حجم المعروض للتخارج لا يكفي بمفرده للحكم على وجود أزمة أو تصحيح واسع في السوق؛ إذ يجب وضعه في سياق إجمالي المبيعات، وحجم الطلب الفعلي، ومدد التقسيط، وقدرة العملاء على السداد، إلى جانب حركة الأسعار وتكاليف البناء والتمويل.
اختبار جديد لقوة الطلب العقاري
وتكشف ظاهرة التخارج المبكر عن جانب مختلف من أداء السوق العقارية المصرية؛ فارتفاع المبيعات الأولية لا يعني بالضرورة أن جميع المشترين يمتلكون القدرة على الاستمرار في سداد الأقساط حتى موعد الاستلام.
وفي المقابل، فإن وجود سوق لإعادة بيع التعاقدات يمكن أن يوفر مخرجًا للعملاء الذين تغيرت ظروفهم المالية، ويمنح مشترين آخرين فرصة للدخول إلى مشروعات قائمة بشروط مختلفة عن الطروحات الجديدة.
ومن هنا، تبدو منصات التخارج بمثابة اختبار إضافي لقوة السوق: هل المبيعات تعكس طلبًا حقيقيًا طويل الأجل، أم أن جزءًا منها ارتبط بمراهنات على ارتفاع الأسعار وإعادة البيع السريع؟
ومع استمرار توسع أنظمة السداد وارتفاع قيم الوحدات، قد تصبح قدرة العميل على الاحتفاظ بالوحدة واستكمال التزاماته مؤشرًا أكثر أهمية عند تقييم قوة الطلب العقاري، إلى جانب أرقام المبيعات التي تعلنها شركات التطوير.
وبالتالي، فإن تنامي التخارج المبكر لا يعني بالضرورة أن السوق العقارية المصرية تتجه إلى أزمة، لكنه يسلط الضوء على ضرورة التمييز بين حجم المبيعات وجودة الطلب، ويفتح الباب أمام سوق ثانوية أكثر تنظيمًا قد تساعد على خروج المضاربين والعملاء غير القادرين على الاستمرار، مقابل دخول مشترين يمتلكون قدرة مالية أكبر على الاحتفاظ بالوحدات.
