الصين تقترب من قلب صناعة السيارات الأمريكية.. المصانع بدلا من الصادرات
تتجه المنافسة بين الولايات المتحدة وشركات السيارات الصينية إلى مرحلة جديدة، بعدما فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباب أمام إمكانية إقامة مصانع لشركات صينية داخل السوق الأمريكية، بشرط تصنيع السيارات محليًا وتوفير وظائف للعمال الأمريكيين.
ويطرح هذا التوجه تحولًا لافتًا في شكل المنافسة؛ فبدلًا من دخول السيارات الصينية إلى الولايات المتحدة عبر الاستيراد، قد تصبح الشركات الصينية نفسها جزءًا من منظومة الإنتاج الأمريكية، بما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة ومنافسة مباشرة مع شركات مثل فورد وجنرال موتورز وتيسلا.
ترامب يطرح نموذج التصنيع المحلي للشركات الصينية
وبحسب ما نقلته «رويترز»، أكد ترامب أنه لن يعارض إقامة شركات السيارات الصينية مصانع داخل الولايات المتحدة، مستشهدًا بتجربة شركات يابانية مثل تويوتا وهوندا، التي تحولت تدريجيًا من منافسين أجانب إلى جزء أساسي من صناعة السيارات الأمريكية.
في المقابل، رفض ترامب فكرة تصنيع السيارات الصينية في المكسيك ثم تصديرها إلى السوق الأمريكية، في إشارة إلى تمسك الإدارة الأمريكية بفكرة زيادة الإنتاج والتوظيف داخل الولايات المتحدة.
وتعيد هذه الرؤية إلى الأذهان المسار الذي اتبعته الشركات اليابانية، إذ بدأت هوندا التصنيع في الولايات المتحدة عام 1979، وأصبح لديها حاليًا 12 مصنعًا يعمل بها نحو 30 ألف موظف، بينما بات أكثر من 60% من سياراتها المباعة في السوق الأمريكية خلال 2025 منتجًا محليًا.
أما تويوتا، فتمتلك شبكة تضم 11 منشأة تصنيع أمريكية، وأعلنت استثمار 3.6 مليار دولار لتوسعة مصنعها في سان أنطونيو وإضافة نحو 2000 وظيفة.
هل تستطيع BYD وجيلي تكرار التجربة؟
تواجه الشركات الصينية تحديًا مختلفًا عند نقل إنتاجها إلى الولايات المتحدة، بسبب ارتفاع تكاليف الأجور والتشغيل، إلى جانب الحاجة إلى زيادة الاعتماد على المكونات المحلية.
لكن قوة صناعة السيارات الكهربائية الصينية لا تعتمد فقط على انخفاض تكلفة العمالة، إذ أصبحت الصين مركزًا رئيسيًا للإنتاج العالمي، وتستحوذ على حصة ضخمة من تصنيع السيارات الكهربائية وخلايا البطاريات، ما يمنح شركاتها ميزة في سلاسل الإمداد والكفاءة الصناعية.
ومن هنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: هل تستطيع شركات مثل BYD وجيلي نقل هذه المزايا إلى مصانع أمريكية مع الحفاظ على قدرتها التنافسية أمام الشركات المحلية؟
نقل الإنتاج إلى الخارج يوسع حضور السيارات الصينية
بدأت شركات السيارات الصينية بالفعل في تقليل اعتمادها على التصدير المباشر من الصين، عبر إنشاء مصانع ومراكز إنتاج في الأسواق المستهدفة، خاصة مع تصاعد الرسوم الجمركية والقيود التجارية.
وبلغت الطاقة التصنيعية للشركات الصينية خارج البلاد نحو 1.7 مليون سيارة سنويًا في 2025، مع استحواذ جنوب شرق آسيا على أكثر من نصف هذه الطاقة، بينما افتتحت BYD مصنعًا في البرازيل ووسعت شركات أخرى عمليات التجميع والإنتاج خارج الصين.
وبالتالي، فإن إنشاء مصنع في الولايات المتحدة يمكن أن يمثل تطورًا طبيعيًا في استراتيجية التوسع العالمية لهذه الشركات، لكنه سيكون أكثر تعقيدًا بسبب القيود التنظيمية والأمنية والتكنولوجية المفروضة على الشركات الصينية.
مصنع صيني في أمريكا يغير شكل المنافسة
في حال تحول التصريحات السياسية إلى سياسة تنفيذية واضحة، قد تنتقل المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في قطاع السيارات من الموانئ إلى خطوط الإنتاج الأمريكية نفسها.
فالشركة الصينية التي تنشئ مصنعًا داخل الولايات المتحدة وتوظف آلاف العمال وتتعامل مع موردين محليين، ستصبح جزءًا من الاقتصاد الأمريكي، وهو ما قد يجعل مواجهتها بالرسوم الجمركية أكثر تعقيدًا.
وفي الوقت نفسه، قد تستفيد الولايات المتحدة من تدفقات استثمارية جديدة، ومصانع إضافية، ووظائف مباشرة وغير مباشرة، بينما تحصل الشركات الصينية على منفذ أكثر قربًا من أكبر سوق سيارات في العالم.
لكن هذا السيناريو قد يحمل تحديًا للشركات الأمريكية، خاصة إذا تمكنت الشركات الصينية من الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة في السيارات الكهربائية وخبرتها في البطاريات وسلاسل الإمداد، مع الإنتاج المحلي داخل الولايات المتحدة.
وتظل الخطوة الأهم مرتبطة بالقواعد التي ستحدد مستقبل هذا التوجه، ومنها نسبة الملكية الصينية، ومصدر البطاريات والمكونات، ومدى الاعتماد على التكنولوجيا والبرمجيات الصينية، وحجم المحتوى الأمريكي في السيارات المنتجة.
وبذلك، قد تتحول المعركة من محاولة واشنطن منع السيارات الصينية من دخول السوق إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع الصناعة الأمريكية منافسة السيارات الصينية عندما تصبح هذه السيارات «مصنوعة في أمريكا»؟


