رغم اضطرابات البحر الأسود.. قفزة في واردات القمح المصري لتأمين المخزون الاستراتيجي
تضع الاضطرابات الجيوسياسية والعقبات اللوجستية المتزايدة في منطقة البحر الأسود سوق القمح المصري أمام ضغوط قياسية إثر ارتفاع أسعار الاستيراد وتكلفة النولون الشحني، مما أدى إلى تراجع تغطية احتياجات شركات القطاع الخاص وصعوبة توفير بدائل سريعة بأسعار مناسبة داخل الأسواق المحلية.
وجاءت هذه التطورات المتسارعة لتسلط الضوء على تباين الآليات والتحديات بين مشتريات القطاع الخاص والمنظومة الحكومية في التعامل مع المخزون الاستراتيجي، وسط مساعٍ مستمرة لتنويع مناشئ التوريد لضمان استقرار سلاسل الإمداد للسلع الاستراتيجية داخل البلاد.
قفزة قياسية في أسعار الاستيراد وتكاليف الشحن
كشف تقرير حديث صادر عن مؤسسة «إس آند بي جلوبال» العالمية أن تقييم القمح المصري بنسبة بروتين 12.5% على أساس (CIF) واصل موانئ شرق المتوسط قد قفز إلى مستوى قياسي بلغ 301 دولار للطن.
وجاء ذلك الارتفاع مدفوعاً بالزيادة الكبيرة في تكاليف الشحن البحري (النولون)، التي تراوحت بين 40 و45 دولاراً للطن، نتيجة تفاقم المخاطر والتخوفات الأمنية من استهداف الموانئ الرئيسية وسفن البضائع في منطقة البحر الأسود.
وأوضحت التقييمات أن المشترين المحليين باتوا يواجهون خسائر مباشرة تُقدر بـ 1100 جنيه للطن عند تكاليف الاستبدال الحالية؛ حيث ارتفع سعر طن القمح الروسي (بروتين 12.5%) إلى 15 ألف جنيه تسليم المخزن نهاية أغسطس الجاري، مقارنة بنحو 14.2 ألف جنيه في بداية يوليو الماضي.
فيما سجل القمح الأوكراني نحو 13.9 ألف جنيه للطن، وسط تداول السعر واصل الميناء بين 300 و330 دولاراً للطن (ما يعادل 16 ألف جنيه للطن بحسب شعبة الحبوب).
فجوة المعروض لدى القطاع الخاص واستقرار المخزون الحكومي
توقعت التقارير الاقتصادية تزايد الضغوط على الطلب المحلي في المدى القريب، لا سيما مع وصول مخزونات الحبوب لدى شركات القطاع الخاص إلى مستويات حرجة تكفي لنحو شهر واحد فقط (ما يعادل 500 ألف طن)، بالتزامن مع موسم زيادة الاستهلاك المحلي واستئناف العام الدراسي جديد.
وفي مقابل الضغوط التي تواجه المطاحن الخاصة، تتمتع المنظومة الحكومية بموقف استراتيجي أكثر استقراراً؛ حيث امتنعت الهيئات الرسمية عن الشراء من الأسواق الدولية منذ شهر يوليو الماضي، اعتماداً على مخزون استراتيجي مريح يكفي لـ 6 أشهر، مدعوماً بنجاح موسم التوريد المحلي القياسي الذي بلغت حصيلته نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي الصعيد والدلتا.
تحديات المناشئ البديلة والتحرك نحو أسواق جديدة
وحول الخيارات الاستيرادية المتاحة، أشارت المؤسسات التحليلية إلى أن البدائل المعتادة في شرق أوروبا تفرض تحديات هيكلية؛ إذ تواصل إمدادات رومانيا وبلغاريا مواجهة مخاوف تدني الجودة للعام الثاني على التوالي بعد تصنيف أكثر من 50% من المحصول كـ "قمح أعلاف"، مما أبعد المستوردين في مصر عن الشراء منهما منذ بداية موسم التسويق الحالي.
من جانبه، أكد عبد الغفار السلاموني، نائب رئيس شعبة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية، أن تعطل حركة الإبحار وتكدس السفن ببعض موانئ البحر الأسود انعكسا بشكل مباشر على أسعار التداول بالسوق المحلية، ليرتفع سعر الطن واصل الميناء من 15 ألف جنيه إلى 16 ألف جنيه حالياً.
وأوضح السلاموني أن الشركات المستوردة بدأت بالفعل التحرك نحو أسواق بديلة لتأمين انتظام الإمدادات للمطاحن والمخابز، وعلى رأسها الأرجنتين وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، مشدداً على أن تنويع مناشئ الاستيراد بات ضرورة حتمية للحد من تداعيات مخاطر النقل البحري واضطراب التجارة الدولية، ولضمان استقرار سلاسل الإمداد للسلع الأساسية.
