صادرات القمح الروسية تتراجع 50%.. والأسواق العالمية تبحث عن بدائل
تواجه تجارة الحبوب العالمية ضغوطًا متزايدة مع تصاعد التوترات بين روسيا وأوكرانيا في منطقة البحر الأسود، بعد أن تسببت الهجمات المتبادلة في تعطيل حركة الشحن وإخراج موانئ رئيسية من دائرة التصدير، ما يهدد بزيادة أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة ويمتد تأثيره المحتمل إلى عام 2027.
ورغم ارتفاع مستويات المخزونات العالمية وقدرة بعض الدول المنتجة على تعويض جزء من النقص، فإن تراجع صادرات روسيا وأوكرانيا، وهما من أكبر مصدري الحبوب عالميًا، يضغط على الأسواق ويدفع المستوردين إلى البحث عن مصادر بديلة.
وقال إيشان بهانو، كبير محللي السلع الزراعية في شركة كبلر: إن التطورات الحالية يمكن أن تؤدي إلى إعادة تشكيل تجارة الحبوب العالمية خلال الفترة المقبلة، مع تغير مسارات الشحن وتوزيع الطلب بين الدول المصدرة.
توقف الشحن عبر بحر آزوف
منذ يوليو 2026، توقفت الشحنات عبر بحر آزوف بسبب المخاوف من تعرض السفن والبنية التحتية للموانئ لهجمات، قبل أن تمتد تداعيات الاضطرابات إلى موانئ أخرى، من بينها ميناء نوفوروسيسك، أحد أهم موانئ تصدير الحبوب الروسية.
وتكتسب موانئ بحر آزوف أهمية كبيرة بالنسبة إلى تجارة الحبوب الروسية، إذ يشير ماريو بيكارسكي، كبير المحللين المتخصصين في الشؤون الأوروبية لدى شركة فيريسك مابليكروفت، إلى أن هذه الموانئ تستحوذ عادة على نحو 20% من إجمالي حركة السفن في روسيا، كما تتعامل مع نسبة مهمة من إنتاج البلاد من الحبوب.
وبحر آزوف بحر داخلي ضحل يقع في شرق أوروبا، ويرتبط بالبحر الأسود عبر مضيق كيرتش، ما يجعله جزءًا مهمًا من شبكة النقل البحري المرتبطة بالصادرات الروسية والأوكرانية.
وفي أوكرانيا، تعرضت مرافق الموانئ خلال يوليو الماضي لهجمات روسية، خصوصًا في منطقة أوديسا، ما أدى إلى فقدان نحو ثلث القدرة التصديرية للحبوب في البلاد، وفق بيانات إس آند بي غلوبال إنيرجي.
تراجع صادرات روسيا وأوكرانيا
أثرت الاضطرابات الأمنية في البحر الأسود بصورة مباشرة على صادرات القمح من روسيا وأوكرانيا.
وأظهرت بيانات كبلر أن صادرات القمح الروسية بلغت 546 ألف طن خلال الأسبوع الأول من أغسطس 2026، مقابل متوسط قدره 772 ألف طن خلال السنوات الخمس الماضية، بانخفاض يقارب 29%.
وفي الأسبوع التالي، تراجعت الصادرات الروسية إلى 324 ألف طن، أي أقل بنحو 50% من متوسط السنوات الخمس.
وكان الانخفاض أكثر حدة في أوكرانيا، فلم تتجاوز صادرات القمح الأوكرانية 23 ألف طن خلال الأسبوع الأول من أغسطس، ثم هبطت إلى 7 آلاف طن في الأسبوع التالي، مقابل نحو 262 ألف طن خلال كل من الفترتين المقابلتين في عام 2025.
وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس، مع دخول موسم القمح الجديد الذي يفترض أن يشهد ارتفاعًا في حجم الصادرات من منطقة البحر الأسود.
روسيا أكبر مصدر للقمح عالميًا
تظهر أهمية روسيا وأوكرانيا في سوق القمح العالمي من خلال حجم صادراتهما، وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، تصدرت روسيا قائمة أكبر مصدري القمح عالميًا خلال موسم 2025-2026، بصادرات بلغت نحو 48 مليون طن متري، بما يعادل 21.1% من إجمالي صادرات القمح العالمية.
وبلغت صادرات أوكرانيا نحو 14.1 مليون طن متري خلال الموسم نفسه، بحصة بلغت 6.2% من التجارة العالمية للقمح.
وتعني هذه الأرقام أن أي اضطراب طويل في قدرة البلدين على تصدير القمح يمكن أن يترك أثرًا واضحًا في الأسواق العالمية، خاصة الدول التي تعتمد على البحر الأسود كمصدر رئيسي لوارداتها.
توقعات بانخفاض صادرات القمح الروسية
يتوقع محللو كبلر أن تنخفض صادرات القمح الروسية إلى نحو مليوني طن في أغسطس ومليوني طن أخرى في سبتمبر، على افتراض استمرار خروج شحنات بصورة متقطعة.
وبحسب تقديرات الشركة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى خفض صادرات القمح الروسية خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر بنحو 6.5 مليون طن مقارنة بمتوسط السنوات الخمس، الذي يبلغ نحو 12.5 مليون طن.
كما خفضت التوقعات الخاصة بصادرات القمح الأوكرانية خلال أغسطس وسبتمبر إلى مليون طن إجمالًا، مقابل نحو 4 ملايين طن خلال الشهرين نفسيهما من العام الماضي.
وتشير بيانات وكالة CERA التابعة لستاندرد آند بورز كومودتي إنسايتس إلى أن صادرات حبوب روسية مقررة خلال يوليو وأغسطس، تتراوح بين 1.7 مليون و2.1 مليون طن متري، أصبحت معرضة للخطر بسبب الاضطرابات التي تواجه حركة الشحن.
تجارة القمح تبحث عن بدائل
قد تدفع الأزمة الحالية الدول المستوردة إلى تغيير مصادر وارداتها، مع انخفاض الكميات المتاحة من روسيا وأوكرانيا.
ويقول محللو كبلر: إن تراجع التجارة عبر البحر الأسود يمكن أن يؤدي إلى انخفاض واردات بعض الدول، ما يرفع فاتورة الاستيراد ويدفع الحكومات والشركات إلى ترشيد الطلب أو السحب من المخزونات المتاحة، وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة الضغوط الصعودية على أسعار الحبوب والسلع الزراعية على المدى القصير، مع ارتفاع احتمالات استمرار تقلبات الأسعار لفترة أطول.
في المقابل، يمكن للدول المصدرة الأخرى الاستفادة من ارتفاع الطلب، خصوصًا الدول التي تأتي بعد روسيا وأوكرانيا في ترتيب كبار مصدري القمح.
ومن المتوقع أن تستفيد أسواق أوروبا الشرقية والأرجنتين وأستراليا وكندا وأوروبا الغربية من زيادة الطلب على صادراتها، إذا استمرت الاضطرابات في منطقة البحر الأسود.
مصر أمام تحديات واردات القمح
تعد مصر من أكبر مستوردي القمح عالميًا، وتعتمد بدرجة كبيرة على واردات من روسيا وأوكرانيا، ما يجعلها من الدول التي قد تتأثر بأي تراجع مستمر في صادرات البلدين.
وقال بيكارسكي: إن انخفاض حجم صادرات الغذاء الروسية وارتفاع تكاليفها يمثلان مصدر قلق لدول في الشرق الأوسط وإفريقيا، ومن بينها مصر، التي تعد من الوجهات الرئيسية للحبوب الروسية.
لكن المخزونات المحلية تمنح السوق المصرية مساحة للتعامل مع أي اضطرابات محتملة في الواردات.
وجمعت مصر خلال موسم التوريد الحالي أكثر من 4.8 مليون طن من القمح المحلي، وهو مستوى قياسي يدعم احتياجات السوق ويقلل من تأثير أي انخفاض محتمل في الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا.
ومع استمرار التوترات في البحر الأسود، تظل أسعار القمح العالمية وحركة الشحن وتوافر الإمدادات عوامل رئيسية تحدد اتجاه سوق الحبوب خلال الفترة المقبلة، بينما قد تمتد تداعيات الأزمة إلى عام 2027 إذا استمرت القيود على صادرات المنطقة.
