الشركات الأمريكية تقتحم سوق صناديق أوروبا بـ14 مليار دولار صفقات استحواذ
تكثف الشركات الأمريكية تحركاتها في قطاع إدارة الأصول والثروات في أوروبا، بعدما سجلت صفقات الاستحواذ على شركات أوروبية أكثر من 14 مليار دولار منذ بداية العام الجاري، في أعلى مستوى للفترات المماثلة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1995.
وتكشف هذه القفزة عن تحول واضح في صناعة إدارة الأصول الأوروبية، مع زيادة الضغوط على الشركات المحلية بسبب المنافسة السعرية وارتفاع تكاليف التشغيل والأعباء التنظيمية، في وقت تمتلك فيه الشركات الأمريكية قدرة أكبر على التوسع والاستثمار والوصول إلى العملاء.
وبحسب بيانات ديلوجيك، تجاوزت قيمة عمليات استحواذ الشركات الأمريكية على شركات إدارة الأصول والثروات الأوروبية 14 مليار دولار منذ بداية العام، وفق ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز.
لماذا تتجه الشركات الأمريكية إلى أوروبا؟
تشمل قائمة المشترين الأمريكيين شركات متخصصة في إدارة الصناديق، وشركات تأمين، ومؤسسات تعمل في مجال الأسهم الخاصة.
وتستفيد هذه الشركات من الضغوط التي تواجه مديري الأصول الأوروبيين، خاصة مع انتشار الصناديق الاستثمارية منخفضة التكلفة، ما يقلص الرسوم التي تحصل عليها شركات الإدارة ويضغط على هوامش أرباحها.
وتزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف التشغيل والاستثمار في التكنولوجيا والامتثال للمتطلبات التنظيمية.
وتدفع هذه الظروف عدداً من الشركات الأوروبية إلى البحث عن الاندماج أو الاستحواذ باعتباره وسيلة لخفض التكاليف وزيادة الحجم وتعزيز القدرة على المنافسة.
وقال تيم كامبل، الرئيس التنفيذي لشركة بايلي غيفورد، إن تصاعد عمليات الدمج والاستحواذ في القطاع لا يمثل مفاجأة، في ظل ارتفاع التكاليف واستمرار الضغط على الرسوم وتراجع هوامش الربح.
وأضاف أن العملاء يفضلون بصورة متزايدة التعامل مع شركات تستطيع توفير خدمات متكاملة عبر فئات الأصول المختلفة، وهو ما يمنح شركات إدارة الأصول الأمريكية الكبرى ميزة في سوق الاستحواذ.
الحجم يتحول إلى ميزة تنافسية
أصبح حجم الأصول التي تديرها الشركات أحد أهم عناصر المنافسة في صناعة إدارة الصناديق، خاصة في المنتجات التي تعتمد على خفض الرسوم.
وقال ستيفان هوبس، الرئيس التنفيذي لشركة دي دبليو إس التابعة لدويتشه بنك، والتي تدير أصولاً تتجاوز قيمتها تريليون يورو، إن الحجم يكتسب أهمية متزايدة في المنافسة.
وتحتاج شركات إدارة الأصول إلى قاعدة كبيرة من الأصول لتبرير الإنفاق على التكنولوجيا، وتطوير المنتجات، وتوسيع شبكات التوزيع والوصول إلى عدد أكبر من العملاء.
وتمنح هذه المعادلة الشركات الأمريكية الكبرى قدرة أكبر على تحمل تكاليف الاستثمار، مستفيدة من اتساع سوق رأس المال في الولايات المتحدة وحجم قاعدة المستثمرين.
استحواذ نيفن على شروذرز يعكس حجم التحول
برزت صفقة استحواذ شركة نيفن الأمريكية على شروذرز البريطانية كواحدة من أبرز الصفقات في القطاع خلال العام.
وأتمت نيفن، المدعومة من جمعية تأمين المعلمين والمعاشات الأمريكية، صفقة الاستحواذ على شروذرز مقابل 9.9 مليار جنيه إسترليني.
وتستهدف الصفقة تشكيل مجموعة ضخمة لإدارة الأصول تصل قيمة الأصول التي تديرها إلى نحو 2.5 تريليون دولار.
وتعكس الصفقة توجه المستثمرين والشركات نحو بناء مؤسسات أكبر قادرة على المنافسة في سوق إدارة الأصول العالمي.
وقال جورج غاتش، الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورغان لإدارة الأصول، التي تدير أصولاً بقيمة 4.3 تريليون دولار، إن الحجم أصبح عاملاً رئيسياً لتحقيق النجاح في القطاع.
الشركات الأمريكية تدير 47% من أصول أوروبا
لا يقتصر النفوذ الأمريكي على صفقات الاستحواذ، بل يمتد إلى الحصة التي تسيطر عليها الشركات الأمريكية من سوق إدارة الأصول الأوروبية.
ووفقاً لمعهد بروغل للأبحاث في بروكسل، تدير شركات إدارة الأصول الأمريكية نحو 47% من أصول أوروبا، مقابل 40% قبل خمس سنوات.
وتبرز هذه النسبة الفجوة بين الطرفين، خاصة مع محدودية حضور الشركات الأوروبية في السوق الأمريكية.
وأشار فينسنت مورتير، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة أموندي، إلى اختلاف هيكل السوق الأمريكية عن السوق الأوروبية، موضحاً أن حصة الشركات غير الأمريكية في الولايات المتحدة تقل عن 1%.
الصناديق المتداولة تعزز النفوذ الأمريكي
شهدت سوق الصناديق المتداولة في البورصة ETF توسعاً كبيراً خلال السنوات الماضية، واستفادت الشركات الأمريكية من هذا النمو لتعزيز موقعها في أوروبا.
وقال جينش شاه، المدير المساعد في آي إس إس ماركت إنتليجنس، إن صناعة الصناديق الأوروبية شهدت تحولاً هيكلياً طويل الأمد لصالح شركات إدارة الأصول الأمريكية.
وتبرز شركات مثل بلاك روك وفانغارد ضمن أكبر المستفيدين من توسع سوق الصناديق المتداولة.
وتصل حصة الشركات الأمريكية في سوق الصناديق المتداولة الأوروبية إلى نحو 64%، ما يعكس قوة حضورها في أحد أسرع قطاعات صناعة إدارة الأصول نمواً.
هل يصبح الاستحواذ الحل أمام شركات أوروبا؟
رغم تسارع عمليات الاندماج والاستحواذ، لا يرى جميع المديرين أن زيادة الحجم تمثل الحل الوحيد أمام شركات إدارة الأصول الأوروبية.
وقال كزافييه ماير، الرئيس التنفيذي لشركة أبردين إنفستمنتس، إن عمليات الاندماج تتسارع، لكن الحجم وحده لا يمثل استراتيجية.
ويتمثل التحدي أمام شركات إدارة الأصول الأوروبية في تحديد المجالات التي تستطيع المنافسة فيها، ثم توجيه الاستثمارات والموارد نحوها.
وتشير التطورات الحالية إلى أن صناعة إدارة الأصول الأوروبية تدخل مرحلة إعادة تشكيل، تقودها صفقات الاستحواذ وتزايد المنافسة الأمريكية والضغط على الرسوم.
ومع تجاوز قيمة الاستحواذات الأمريكية 14 مليار دولار منذ بداية العام، تبدو الفجوة بين الشركات الأمريكية والأوروبية أكثر وضوحاً، خاصة في ظل أهمية الحجم والتكنولوجيا والوصول إلى العملاء.
ويبقى السؤال أمام شركات إدارة الأصول الأوروبية هو قدرتها على بناء نماذج أعمال تحقق النمو دون الاعتماد الكامل على الاندماج أو الاستحواذ، في سوق تتغير قواعد المنافسة فيه بصورة متسارعة.
