من الجائحة إلى التضخم.. كيف أعاد جيروم باول تشكيل السياسة النقدية الأمريكية؟
يقترب جيروم باول من نهاية واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بعدما قاد السياسة النقدية الأمريكية خلال جائحة كورونا، وأشرف على مواجهة واحدة من أعنف موجات التضخم التي شهدها الاقتصاد الأمريكي منذ عقود.
ورغم أن باول نجح في تجنب انهيار اقتصادي واسع خلال الأزمة الصحية العالمية، فإن الجدل لا يزال قائماً حول ما إذا كان قد نجح فعلاً في حسم معركة التضخم، أم أنه اكتفى باحتواء الأزمة مؤقتاً قبل عودة الضغوط السعرية مجدداً.
الجائحة.. لحظة التحول الكبرى
شكّلت جائحة كورونا اللحظة الأبرز في مسيرة باول داخل الفيدرالي، إذ تحرك البنك المركزي الأمريكي بسرعة غير مسبوقة لدعم الاقتصاد والأسواق المالية عبر خفض أسعار الفائدة إلى مستويات شبه صفرية، وضخ سيولة هائلة في النظام المالي.
وساعدت هذه الإجراءات على منع انهيار اقتصادي شامل، لكنها أسهمت لاحقاً في خلق بيئة تضخمية مع عودة النشاط الاقتصادي بقوة، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالمياً.
في البداية، اعتبر الفيدرالي أن التضخم “مؤقت”، وهو التقدير الذي تعرض لاحقاً لانتقادات واسعة بعدما استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة أسرع من المتوقع.
دورة تشديد تاريخية
مع اتضاح خطورة التضخم، قاد باول واحدة من أعنف دورات التشديد النقدي في تاريخ الولايات المتحدة، حيث رفع الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 525 نقطة أساس بين عامي 2022 و2023.
وشملت السياسة النقدية عدة زيادات حادة بمقدار 75 نقطة أساس، في محاولة لمنع ترسخ التضخم عند مستويات مرتفعة، واستعادة ثقة الأسواق بقدرة البنك المركزي على السيطرة على الأسعار.
ورغم التشديد القوي، تمكن الاقتصاد الأمريكي من تجنب ركود حاد، بينما بقيت سوق العمل قوية نسبياً، وهو ما دفع البعض إلى تشبيه تجربة باول بما حققه آلان غرينسبان خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما نجح في تهدئة الاقتصاد دون التسبب في أزمة كبيرة.
شبح آرثر بيرنز
لكن منتقدي باول يرون أن الصورة ليست بهذه الإيجابية، إذ يشيرون إلى استمرار التضخم فوق مستهدف الفيدرالي البالغ 2% لسنوات متتالية، ما يعيد إلى الأذهان تجربة آرثر بيرنز في سبعينيات القرن الماضي.
ويعتقد هؤلاء أن الفيدرالي تأخر كثيراً في مواجهة التضخم، بسبب اعتماده على فرضية أن ارتفاع الأسعار مؤقت، ما سمح بترسخ الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأمريكي.
كما أن عودة التضخم إلى الارتفاع بالتزامن مع الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط أثارت مخاوف من أن معركة السيطرة على الأسعار لم تُحسم بعد.
ويرى بعض المحللين أن الحكم النهائي على إرث باول سيتحدد بناءً على قدرة الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات المقبلة على العودة إلى استقرار سعري دائم دون الدخول في ركود عميق.
أسلوب قيادي مختلف
تميّز باول بأسلوب قيادي مختلف عن كثير من رؤساء الفيدرالي السابقين، إذ اعتمد على بناء التوافق داخل لجنة السياسة النقدية، واستخدم لغة مباشرة وبسيطة نسبياً في التواصل مع الأسواق والرأي العام.
كما دافع بقوة عن استقلالية البنك المركزي في مواجهة الضغوط السياسية، خاصة خلال الهجمات المتكررة من دونالد ترامب، الذي انتقد سياسات الفيدرالي أكثر من مرة.
لكن هذا النهج التوافقي تعرض أيضاً للانتقاد، إذ يرى البعض أن حرص باول على حماية المؤسسة وتقليل الخلافات الداخلية حدّ من قدرة الفيدرالي على مراجعة أخطائه بصورة أعمق، خصوصاً فيما يتعلق بالإخفاق في توقع موجة التضخم بعد الجائحة.
هل مهّد الطريق لمرحلة أكثر تشدداً؟
يرى مراقبون أن الانتقادات المتزايدة لأداء الفيدرالي خلال عهد باول ساهمت في صعود دعوات لتشديد الرقابة على البنك المركزي، وفتحت الباب أمام شخصيات أكثر تشدداً داخل المؤسسة النقدية الأمريكية.
ويبرز اسم كيفن وارش كأحد أبرز المرشحين لقيادة مرحلة جديدة داخل الفيدرالي، تقوم على تشديد السياسة النقدية وإجراء تغييرات أوسع في آليات صنع القرار.
إرث لم يُحسم بعد
في النهاية، يبقى إرث جيروم باول معلقاً بين روايتين متناقضتين؛ الأولى تعتبره الرجل الذي أنقذ الاقتصاد الأمريكي من تداعيات الجائحة وحقق “هبوطاً ناعماً” نادراً رغم التشديد النقدي العنيف، والثانية ترى أنه كرر أخطاء الماضي عبر التأخر في مواجهة التضخم والسماح بترسخ موجة ارتفاع الأسعار.
ومع استمرار الضغوط التضخمية وعدم عودة الأسعار بشكل كامل إلى مستهدف الفيدرالي، يبدو أن الحكم النهائي على تجربة باول لن يُكتب إلا بعد سنوات، عندما تتضح النتائج الحقيقية لسياساته النقدية وتأثيرها طويل الأجل على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
